السيد محمد باقر الصدر
63
دروس في علم الأصول ، الحلقة الثالثة الجزء الأول والثاني ( تراث الشهيد الصدر ج 7 )
ومن هنا ذهب إلى أنّ الأصل في الأمارات أيضاً عدم حجّية مثبتاتها ومدلولاتها الالتزامية ، وأنّ مجرّد جعل شيءٍ حجَّةً من باب الأماريّة لا يكفي لإثبات حجِّيته في المدلول الالتزامي . والصحيح ما عليه المشهور من : أنّ دليل الحجِّية في باب الأمارات يقتضي حجِّية الأمارة في مدلولالتها الالتزامية أيضاً ، ولكن ليس ذلك على أساس ما ذكره المحقّق النائينيّ من تفسير ، فإنّه فسَّر ذلك بنحوٍ يتناسب مع مبناه في التمييز بين الأمارات والأصول ، وقد مرّ بنا سابقاً « 1 » أنّه - قدس اللَّه روحه - يميِّز بين الأمارات والأصول بنوع المجعول والمنشأ في أدلّة حجِّيتها ، فضابط الأمارة عنده كون مفاد دليل حجِّيتها جعل الطريقية والعلمية ، وضابط الأصل كون دليله خالياً من هذا المفاد ، وعلى هذا الأساس أراد أن يفسِّر حجِّية مثبتات الأمارات بنفس النكتة التي تُميِّزها عنده عن الأصول ، أي نكتة جعل الطريقية . مع أنّنا عرفنا سابقاً « 2 » أنّ هذا ليس هو جوهر الفرق بين الأمارات والأصول ، وإنّما هو فرق في مقام الصياغة والإنشاء ، ويكون تعبيراً عن فرقٍ جوهريٍّ أعمق ، وهو أنّ جعل الحكم الظاهريّ على طبق الأمارة بملاك الأهمّية الناشئة من قوة الاحتمال ، وجعل الحكم الظاهري على طبق الأصل بملاك الأهمّية الناشئة من قوة المحتمل ، فكلّما جعل الشارع شيئاً حجَّةً بملاك الأهمّية الناشئة من قوة الاحتمال كان أمارة ، سواء كان جعله حجّةً بلسان أنّه علم ، أو بلسان الأمر بالجري على وفقه .
--> ( 1 ) تحت عنوان : الأمارات والأصول . ( 2 ) تحت العنوان المذكور .